Advertisement

تقارير وتغطيات
Typography

لطالما كانت البنية التحتية من عناصر تقييس نمو الدول وتطوّرها. وقد ارتكز تطوّر البنية التحتية في القرون السابقة على العمل اليدوي وجهود اليد العاملة البشرية قبل ظهور التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. كما ازدهرت صناعة البنية التحتية على مرّ الوقت وأصبحت عملياتها أكثر كفاءة وفعالية لتلبي احتياجات السوق.

 تستفيد الحكومات من قدرات الذكاء الاصطناعي ودعمه لكل الأنظمة المرتبطة بالانترنت لتحويل المشهد الرقمي في البلاد. وتلعب التكنولوجيا دوراً أساسياً في صناعة البنية التحتية اليوم إلى جانب الذكاء الاصطناعي الذي سمح بأتمتة القطاع ليُغيّر مراحل العمليات التشغيلية الأكثر تعقيداً. هذا وتستخدم الروبوتات وتقنيات التعلم الآلي لرصد ثغرات البنية التحتية التكنولوجية وصيانتها وتفصيل المشاكل المحتملة والتفاعل معها بكفاءة عالية قبل حدوثها.

إدارة البنية التحتية وتأثير الذكاء الاصطناعي

 تحدد الشركات التكنولوجية والمؤسسات التقنية استراتيجياتها بناءً على ما تحتاج إليه البنية التحتية من موارد ومعدات لتمكين عمليات التخطيط وتحليل كميات هائلة من البيانات. يحاكي الذكاء الاصطناعي في هذا المجال التأثيرات المحيطة ومختلف السيناريوات المحتملة مما يساعد المتخصصين على تقييم أداء البنية التحتية قبل المباشرة في تطبيقها.

قبل توسّع هذه التكنولوجيا وسواها من التقنيات، واجهت صناعة البنية التحتية تحديات عدّة شملت عدم القدرة على تحليل البيانات بسرعة أو معالجة الثغرات الرقمية بالوقت الآني أو تخصيص تكلفة باهظة لهذه العمليات وعدم ادارة العمل بالشكل المطلوب فكانت العمليات تستغرق وقتاً أطول في الانجاز. ولطالما واجهت الشركات مشاكل تقنية بسبب تسجيل المعلومات بالطرق التقليدية وبشكل غير دقيق.

أما بعد الذكاء الاصطناعي فاختلف الوضع حيث أصبح بإمكان المتخصصين تتبع أداء العمليات بمرونة مع توفر القدرة على تقديم أنظمة تحكم استباقية لمراقبة حركة مرور البيانات. مع اكتساب مزيد من الخبرة في كيفية اعتماد الذكاء الاصطناعي وغيره من الحلول التكنولوجية المبتكرة، يمكن للصناعات الاستفادة من هذه القدرات لتطوير حلول أفضل لمشاريع البنية التحتية التكنولوجية وغيرها من القطاعات التي تتطلب الجهد والوقت.

يُعد تنفيذ عمليات الذكاء الاصطناعي من الأولويات لمواكبة عصر السرعة ومتابعة التقدم التكنولوجي في عالم يطمح إلى تحقيق الرقمنة الشاملة.

المدن بحاجة إلى البنية التحتية الرقمية

تُعيد الجهات المعنية هيكلة المدن بتصميمها ومحتواها لنشر البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات واستخدام كل الأدوات المطلوبة لرسم نموذج المؤسسات الجديدة وتكوين مجتمع رقمي يتمتع بموثوقية عالية. وفيما تُقدر الدراسات أن يصل عدد سكان العالم إلى أكثر من تسعة مليارات نسمة بحلول عام 2040، قد نشهد مع ذلك زيادة بالطلب على الخدمات والمواد الأولية واستهلاك الطاقة بشكل أكبر وبالتالي انتاج انبعاثات كربونية بنسبة أكبر. أمام هذه التحولات، يقترح الخبراء توسيع البنية التحيتة الرقمية واعتماد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي وتعديل الاستراتيجيات القائمة داخلياً لمواكبة التطوّر السريع على المستوى الاقتصادي والاجتماعي.

على ضوء ذلك، تستعرض بعض الدول برامجها الخاصة لدمج الذكاء الاصطناعي بالبنية التحتية خصوصاً وأن غالبية الخدمات باتت تتم عبر التطبيقات الذكية في مجالات متنوعة. هذا التوجّه يجسّد رؤية الدول لتطوير حلولها التكنولوجية وتوظيفها وفقاً لمميزاتها وتمكين المهارات الرقمية دعماً لأنظمة البنية التحتية الرقمية وتأكيداً على ضرورة استخدام الذكاء الاصطناعي في أكثر من ظرف.

تمثل مشاريع البنية التحتية الرقمية نقلة نوعية في المنطقة العربية فهي ليست بعيدة عن التخطيط للتحول إلى الاقتصاد الرقمي وتمكين كل القطاعات لتكون في جاهزية تامة للتصدي إلى الأزمات. وبينما تسعى إلى تحقيق استراتيجية التحول الرقمي، تستثمر الدول العربية اليوم ومنطقة الخليج أموالها لتطوير البنية التحتية الرقمية لديها وتحسين خدمات الاتصالات وتأمين الانترنت وانتشار الجيل الخامس في المناطق كافة حتى النائية منها.

كما تهدف هذه الدول أيضاً إلى تبني التكنولوجيا المبتكرة لدعم المجتمع وقيادة التحولات المتسارعة. وبهدف تطوير البنية التحتية الرقمية وتعزيز الاتصالات، تعزز الدول العربية مبادراتها في هذا الاطار لتحقيق أهداف المستقبل الرقمي والأكثر استدامة.

جاءت المملكة العربية السعودية على رأس الدول العربية التي تسعى جاهدةً لتطوير بنيتها التحتية بما يخدم رؤية المملكة 2030. بمسيرة طويلة من التخطيط، تشمل استراتيجية المملكة تحسين البنية التحتية الرقمية وتمكين شبكات الاتصالات والتوسّع بشبكات الألياف الضوئية اضافة الى الاستثمارات المخصصة لمراكز البيانات لتُصنّف المملكة من الدول الرائدة في هذا المجال. وبحسب المعنيين في البلاد، فإن الذكاء الاصطناعي والحلول التكنولوجية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من استراتيجية تطوّر الصناعات ونموها وضرورية لجعل العمليات أكثر كفاءة على المستويات كافة. لذلك، تحرص الشركات على توفير كل الأنظمة المطلوبة لتبني التكنولوجيا الحديثة والتعامل مع التحديات بإمكانات عالية.

بدورها تضع الحكومة القطرية الحلول التكنولوجية ضمن أولوياتها لتقديم أفضل الخدمات للعملاء انطلاقاً من التعليم والرعاية الصحية وازدهار الأعمال ودفع الاقتصاد. كما تملك قطر استراتيجية خاصة بها لتطوير البنية التحتية الرقمية  لتحقيق رؤية 2030 من خلال نهج متكامل يدعم مواكبة التطور الاجتماعي.

لا يمكن للدول المضي في رحلة الرقمنة دون وجود بنية تحتية رقمية قوية تتبنى الكم الهائل من البيانات خصوصاً وأن اعتماد الذكاء الاصطناعي وسائر التقنيات يتطلّب سعة كبيرة وشبكات عالية الجودة.

تحديات تعيق تطوّر البنية التحتية الرقمية

تأخذ البنية التحتية الرقمية شكلها من خلال ثلاثة عناصر أساسية تنقسم بين البنية التحتية المادية التي تتألف من مكونات أساسية لدعم الأنشطة الرقمية والبنية التحتية التنظيمية التي تتشكّل من مجموعة قوانين وأنظمة هيكلية لتنظيم العمل الرقمي والمهارات البشرية المؤهلة لاستخدام الحلول التقنية.

قد تبدو مسيرة التحول الرقمي سهلة بالمفهوم إنما عملية التطبيق تواجه سلسلة من التحديات التي قد تعيق تطوّر البنية التحتية الرقمية. تتمثّل أبرز هذه التحديات بعدم قدرة الشركات على مواكبة الابتكار وتطورات السوق السريعة. أما التحدي الثاني فيكون بتعقيد البنية التحتية الرقمية مع اعتمادها المتواصل وهذا ما يتطلّب مزيداً من الاجراءات على مستوى الأمان والحماية الالكترونية.

بعيداً عن الاستراتيجية التطبيقية، تظهر التحديات الاقتصادية والمالية التي يمكن أن تكون من أبرز التحديات أمام تطوير البنية التحتية. تحتاج البنية التحتية الرقمية الى وجود التقنيات الجديدة التي تكون كلفة برامجها عالية وتتطلّب معدات دقيقة مع زيادة احتمال التعرّض إلى هجمات إلكترونية بوتيرة أكبر سنوياً. هذا بالاضافة إلى أهمية توفّر اليد العاملة بخبرة عالية والحاجة إلى تكثيف التعاونات بين الحكومات والمؤسسات وشركات القطاع الخاص والعام لتحسين البنية التحتية الرقمية.

ومن أكثر القطاعات تأثراً بنجاح خطة تطوير البنية التحتية الرقمية هو قطاع الاقتصاد حيث يعزز دمج التقنيات الذكية بالبرامج المصرفية وقطاع الاقتصاد والتنمية الاقتصادية ويحسن الكفاءة الانتاجية ويدعم التكامل بين القطاعات والسوق مع اتاحة مزيد من فرص العمل للشباب المتخصص بالتكنولوجيا والاقتصاد الرقمي.

على مستوى الحركة الاقتصادية، تعتبر البنية التحتية الرقمية من أكبر المحفزات للاستثمارات الاجنبية والداخلية وجذب الشركات الناشئة لمباشرة مشاريعها المستدامة.

إزدهار، استمرارية وتطوّر، هذا ما تحصده الشركات من فعل دمج الذكاء الاصطناعي بالأعمال والاصرار على تطوير البنية التحتية الرقمية. إلا أن التحديات المستقبلية متوقعة والمشاكل التقنية واردة مع زيادة حركة البيانات والتعرّض للمعلومات الشخصية وتزايد الطلب على ضرورة تحسين شبكات الاتصالات لضمان سرعة الاتصال. فهل تكفل البنية التحتية الرقمية الشركات لتتجاوز كل التحديات المستقبلية بأقل ضرر ممكن مادياً وتقنياً؟