Advertisement

تقارير وتغطيات
Typography

أضحى الإنترنت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، فهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بكل التفاصيل انطلاقاً من تلك المهنية وصولاً الى تلك الخاصة. أما هذا الاتصال العالمي فهو قائم على الكابلات الممتدة في البحار والتي تنقل البيانات بسرعة الضوء عبر ألياف زجاجية رقيقة. وتعتبر هذه الكابلات، الرقيقة مثل خرطوم الحديقة، روائع تكنولوجية قادرة على نقل كميات هائلة من البيانات. وبالخلاصة، يعود استخدامنا للانترنت الى هذه البنية التحتية الأساسية.

ماهي قصة الكابلات البحرية؟

رغم تقدم التكنولوجيا، إلا أن عملية تركيب الكابلات البحرية ما زالت مدهشة. في الأصل، تم طلاء الكابلات بالقطران وتم تمديدها في البحار بواسطة السفن، وتعود هذه العملية إلى عام 1850 حين تم وضع أول كابل تلغراف عبر المحيط الأطلسي. منذ ذلك الحين، قطعت الكابلات شوطًا كبيراً، وأصبحت اليوم العمود الفقري للتجارة والاتصالات العالمية، حاملةَ أكثر من 99% من حركة المرور بين القارات.

أما بالنسبة الى الشركات التكنولوجية العملاقة مثل ميتا ومايكروسوفت وأمازون وغوغل، فانها ليست مسؤولة فقط عن إدارة الإنترنت في مراكز بياناتها، بل يمكن القول انها تسيطر وبشكل كبير من خلال تلك الكابلات على الجهاز العصبي للإنترنت. فهي تحمل مطالب ضخمة من البيانات. على سبيل المثال، تشهد كابلات "هايبرسكالرز" زيادة مذهلة تتراوح ما بين 45% و60% في حركة البيانات سنويًا. ومع استمرار تزايد الطلب على المحتوى، تحتاج البنية التحتية إلى مواكبة هذا النمو المتزايد ولضمان قوة ومرونة هذه الشبكات، تصب كل الشركات جهودها في سبيل تأمين الصيانة الضرورية والتطوير اللازمين.

الكابلات الأولى اقتصرت على ربط طرق الاتصال الرئيسية بعضها ببعض. أما اليوم، فتركز الطرق الحديثة على تمديد الشبكة لتشمل الأماكن النائية والبعيدة. حتى أصبحت شبكة مترامية تمتد عبر العالم، ما يشجع المزيد من البلدان على الانضمام إلى الإنترنت العالمي.

مخاطر تهدد هذه التقنية

مع تعدد الفوائد التي تقدمها الكابلات البحرية، لا بد من الاشارة الى بعض من المخاطر التي يجب التصدي لها. اذ ان هذه التقنية وبسبب دقتها، فانها معرضة للتلف بسبب معدات الصيد والمراسي وحتى التوترات الجيوسياسية. وبالنسبة الى إصلاحها فيعتبر أيضاً عملية معقدة، ويمكن أن يؤدي إلى تعطيل خدمات الاتصال والإنترنت لفترات طويلة تصل إلى حد أسابيع أو حتى شهور.

في هذا الاطار، ومع الحاجة المتزايدة الى البيانات، يتم العمل على بناء كابلات جديدة تمتد في البحار أيضاً وقادرة على استيعاب سرعات أعلى. الشركات الكبيرة تستثمر في تجاربها حول التقنيات الجديدة مثل الألياف البصرية الجوفاء. كما ويتم استكشاف العديد من أنماط نقل البيانات داخل الألياف لزيادة سعة الكابل. أما الهدف الأساسي من كل هذا فيكمن في الحد من التداخل وتحسين أداء الشبكة.

وبالانتقال الى التوترات الجيوسياسية، فهي تنعكس أيضاً بشكل مباشر على الكابلات. ويأتي ذلك تزامناً مع بعض البلدان  التي تحاول السيطرة على تركيب وصيانة الكابلات في مياهها الإقليمية. ومع ذلك، فإن الحوافز الاقتصادية تفوق غالبًا الاعتبارات السياسية، بحيث تسعى البلدان لأن تكون جزءًا من هذا العالم المترابط

ماذا عن قدرات الكابلات البحريةعلى مر التاريخ؟

حالياً، تتمكن الكابلات البحرية من نقل ما يصل إلى 250 تيرابايت في الثانية من البيانات.الا أن جذور هذه التقنية يعود الى العام 1800. فحينها، قامت مجموعة من الباحثين منهم فيرنر سيمنز بتوصيل الكابلات التلغرافية في الأنهار والقناة الإنكليزية والبحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، فإن المحاولات الأولى لم تكن ناجحة تمامًا بعد تمزق الكابلات الموجودة في قاع المحيط بسبب وزنها.

الا أن المستثمرين والباحثين أصروا على استكشاف إمكانات الاتصالات السريعة. وبفضل مساع وتجارب كثيرة تم الوصول الى تقنية الكابلات البحرية. هذا وركزوا جهودهم على تحسين نقل الإشارات بدقة أعلى للكابلات النحاسية، واستبدال المواد الشبيهة بالمطاط بعزل البولي إيثيلين القوي، بالاضافة الى تعزيز أجهزة إعادة الإرسال وقوة الإشارة.

ومما لا شك فيه، أن قدرات الكابلات البحرية تغيرت وتطورت مع التقدم التكنولوجي. ففي العام 1858، تم تشغيل أول مشروع كابل ناجح عبر المحيط الأطلسي لمدة ثلاثة أشهر فقط، والذي تمكن من إرسال أكثر من كلمة واحدة في الدقيقة. اما في العام 1988، فقامت شركة AT&T بتركيب أول كابل بصري عبر المحيط الأطلسي، ما شكل في حينها ابتكاراً ثورياً اذ زاد من قدرتها على التعامل مع 40,000 مكالمة هاتفية متزامنة بطريقة مذهلة.

وعلى الرغم من التحديات، ما زالت شبكة الكابلات البحرية خاضعة للأبحاث والتجارب من أجل تطويرها ورفع نسبة مرونتها. فتنوع مواقع الهبوط الجديدة في قعر المياه وتقنية التفرع المحسنة تجعل الشبكة أكثر موثوقية وأقل عرضة للاضطرابات. ومع استمرار الإنترنت في إثراء حياتنا، تبقى الكابلات البحرية الشريان الأساسي للاقتصاد العالمي، وضماناً للاتصال السلس والقدرة على الوصول إلى المعلومات في جميع أنحاء العالم.